الشيخ علي المشكيني

369

رسائل قرآنى

وصفه الإنجيل ؛ قال تعالى : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ . « 1 » وفي الآية إشارة إلى جواب السؤال الثالث ، وهو السؤال عن حقيقة دينه ؛ فقال تعالى : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ . . . . فإنّ المراد بالمعروف كلّ ما عرفه العقل بالحسن ، وبالمنكر كلّ ما أنكره العقل وقبّحه . والمراد بالطيّب ما حسّنه الطبع ورغب فيه ، وبالخبيث ما أنكره الطبع وتنفّر عنه . وإذا تأمّلت في هذه العناوين الأربعة وجدتها أنّها مجمع الحقائق الشرعيّة ، والدين الإلهي النازل على النبيّ صلى الله عليه وآله ؛ فهي هذه ، كما أنّ هذه هي بعينها ؛ إذ كلّ ما حسّنه العقل فقد أمر به الشرع ، وكلّ ما أنكره فقد نهى عنه ، وكلّ ما حسّنه الطبع - أعني الحواسّ الظاهرة والباطنة - فقد أحلّه الدين ، وكلّ ما تنفّر عنه فقد نهى عنه ؛ فالدين عبارة عن مجموعة أبعاث وزواجر يوافقها العقل السليم ، ومجموعة ترخيصات ونواه يوافقها الطبع الصحيح . إن قلت : إنّ هاهنا أموراً يستحسنها العقل ولم يأمر به الشرع ، كما في القوانين الجديدة التي وضعها العقلاء لإدارة رحى اجتماعهم ممّا لا يمضيه الشارع ، كالبنوك المرسومة في عصرنا هذا ، وما وضعوه من مسائل الزواج ، وأخذ العشور ، وتجنيد الجنود الإجباريّة ونحوها ؛ فإنّها أمور عقلائيّة ، وإلّالم يقدم عليها العقلاء . وكذا نجد اموراً أخرى ينكرها العقل وقد استحسنه الشرع ، كما في تزويج الصغار أو البالغين في أوائل بلوغهم ، ونحو ذلك . وأيضا هاهنا أمور يستحسنها الطبع ، إلّاأنّ الشرع نهى عنه ، كبعض أنواع القمار ، أو أقسام الشراب ، والزنا مع الأجنبية ، وغيرها . قلنا : الاختلاف في إدراك الحسن والقبح لدى العقول غير منكر ، إلّا أنّ الشأن في حجّية جميعها وكونها في الإدراكات مصيبة . ففي موارد المخالفة إذا حَكَمَ الشارع الحكيم بأمر وحسّنه وأمر به أو رخّصه يعلم أنّ الحقّ هو ما حكَم به ، وأنّ المخالف لم يدرك عقله ذلك حقّ الإدراك ، وكم من مسائل تختلف فيها العقول مع أنّ الواقع واحد غير متعدّد ، والمصيب منها أيضاً واحد . فكلّ ما حكَم الشارع بحُسنه أو أمر به إذا خالف ما أدركه الناس ، فهو من باب

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 146 ؛ الأنعام ( 6 ) : 20 .